حسن الأمين

68

مستدركات أعيان الشيعة

لقد رسم له ابن القارح صورة حالكة مقيتة حين حشد فيه الصفات الآتية : 1 - الملل : كان أبو القاسم ملولا ، والملول ربما مل الملال ، وكان لا يمل أن يمل . 2 - الحقد : ( كان ) يحقد حقد من لا تلين كبده ولا تنحل عقده . 3 - العقوق : له رأي يزين له العقوق ، ويمقت إليه رعاية الحقوق . 4 - الكبر : كأنه من كبره قد ركب الفلك ، واستوى على ذات الحبك . 5 - الحسد : ( حسد ابن القارح لأنه استطاع أن يجمع سبعة أوصاف للشمعة في بيت واحد ) . 6 - الجنون : كان جنونه مجنونا . . وأجن منه لا يكون . 7 - الجرأة على المقدسات : ( أخذ محاريب الكعبة الذهب والفضة وضربها نقودا ) . 8 - سفك الدماء وانتهاك الحريم والتقتيل والتخريب في سبيل الحصول على ماربه ( 1 ) ولم يتوقف موقف التشكيك في هذه التهم إلا ابن العديم فإنه قال : وكان بين أبي القاسم ابن المغربي وبين علي بن منصور ما يوجب ألا يقبل قوله فيه ( 2 ) . وقد بلغ فقدان الثقة بين الرجلين حدا بعيدا حتى إن الوزير المغربي قال في بعض ما يرويه : أنشدني علي بن منصور ( ابن القارح ) - إن صدق ( 3 ) - وهذا الإلحاق يدل على أسوأ ضروب الظن . وقد استنتج كتاب التراجم خبثه وإزراءه بالفضلاء وشدة حسده على الفضائل التي يتمتع بها الآخرون من أنه كان « إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو ، والنحوي سأله عن الفرائض ، والشاعر سأله عن القرآن قصدا ليسكتهم » ( 4 ) ، ولست أرى في ذلك شيئا مما استنتجوه ، إذ هذا التصرف إما أن يكون دعابة فهو يحرج الفقيه إذا سأله في النحو ، ويتلعثم ، ويخرج إلى أمور مضحكة . وأشهد أنها دعابة ثقيلة غير مستملحة ، وإما أن يكون « تعليما » للمسئول ومحاولة لجره إلى التواضع كي لا يحسب لاتقانه أحد العلوم أنه قد أحاط علما بكل شيء ، فهو يرده إلى التواضع . كما يعبر عن تميزه الشخصي لأنه يتقن علوما جمة ، وتلك طريقة أيضا غير ضرورية فليس لأحد أن ينصب من نفسه معلما لغيره ، وهي قد توحي بالغرور ، ولكنها لا تدل على الخبث وشدة الحسد . غاية ما هنالك أن الرجل كان شديد الذكاء ، وأهم من ذلك أن ذكاءه أوصله إلى النضج المبكر ، فبدأت تظهر لديه عقدة التفوق ، وزادها إعجاب أبيه به - وربما أضفت « وتدليله له » - ولعل المعري - دون أن يقصد - شارك أيضا في ترسيخ تلك العقدة ، بذلك النوع من الخطاب في رسالتي المنيح والإغريض . وقد كان ذكاؤه في أول الأمر موجها إلى هضم كل ما يقرأ والتعمق في العلم والأدب ، وفي إتقان النظم والنثر ، فلما وضح له أنه يبذ معظم أقرانه تحولت عقدة التفوق لارضاء طموحه إلى الشهرة ، وكفلت له مجالسة الحاكم - بصحبة أبيه وعمه - بداية التوقل في سلم المجد ، وعرض على الحاكم أن يستغل مواهبه فيما يرفع من ذكره وينشر صيته ، ويعود على الدولة بالخير . غير أنه الحادثة التي لم يعر أثرها المؤرخون اهتماما وإنما اكتفوا بذكرها على أنها محض خبر هي المذبحة التي تعرض لها أهله ، وقلبت نفسيته ، ووجهت ذكاءه في وجهة جديدة . فإذا كان الانتقام شرا ، فقد أصبح الذكاء موجها نحو الشر ، وإذا كان الحقد سيئا فقد « وظف » في خدمة الانتقام . وحين استطاع أن يورط آل الجراح بحيث تتطابق مشكلته ومشكلتهم بالنسبة للحاكم لم يكن يستشرف أن يكون الرجل الأول في الدولة المستحدثة ، بل كان كل همه أن يتحقق له الانتقام . وفي سبيل ذلك استباح لنفسه كل ما يمكن أن يتوقف عنه لو لم تكن سحابة الانتقام قد غشت عينيه ، وكان أهون ما هنالك نزع الذهب والفضة من الكعبة ، إذ الكعبة ليست بحاجة إليهما . فاما تيتيم الأطفال وترميل النساء وقتل الرجال فتلك هي شرعة الحرب . وهي أمور تتم به وبدونه ، ومن شاء أن يقوض دولة لم يحسب حساب الخسائر في الأرواح وفي بنية العائلة وفي ضياع الأموال . لست أسوغ للوزير المغربي أن يفعل ذلك ، ولكنه حين فعل ذلك كان واحدا من آلاف - بل ملايين الطامحين - الذين أقاموا ذلك التمثال الأجوف الذي نسميه تاريخا ، ولهذا فلا يجوز أن ينفرد باللوم ، وكل من حوله والغون في دماء الأبرياء وغير الأبرياء . وبعد إخفاق الثورة أصبح يسعى للحصول على مصدر رزق : كان غريبا والغريب المنافس للطبقة البيروقراطية يلقى كل أنواع الكيد والدسائس والتكتل ضده ، وكان ذكيا والذكي مخوف لأنه يفضح الغباء الجماعي الذي يتخذه الآخرون جنة ضد مغاير لهم غريب ، وكان مريرا بسبب ما مني به من إخفاقات متوالية ، والمرير إذا كان ساخرا يثير الغيظ والحفيظة والخصام ، وكان تفرده في العلم والكتابة والشعر يؤهله لنيل ثقة من يعمل معه بسرعة ، وذلك يثير الحسد ، فهو المحسود لا الحاسد ، لأن لديه من الفضائل ما يقنعه ويرضيه ، أما الحاسد فهو طامح لما عند غيره ولا يعرف الرضى . وكان صارما في الوظيفة دقيقا فيما يجب على الآخرين أن يؤدوه ، وهذا النوع من الناس يتهمون بالتكبر والتجبر ، لأن معظم من يعملون معهم يميلون إلى التراخي والارجاء والتسويف والمماطلة . وليس غريبا إذا جعل من أهم القواعد للسائس في رسالته في السياسة أن يحذر « كل الحذر من تأخر عمل يوم إلى غد ، فان لكل وقت شغلا ، وهذا الخلق من المدافعات بالمهمات أدهى الدواهي التي تتابع لها الخلل ، وانهدمت لها الدول » ( 5 ) وكان سخيا بالمال ، وما أحرى ذلك أن يقربه إلى القلوب ، ولكن السخاء أحيانا يأتي بضد ذلك ، لأن استشعار علو اليد يثير النقمة بدلا من الشكران ، أو يضع المرء في شعور مختلط بين النقمة والشكران . وتصفه المصادر بالجرأة والدهاء معا ، وكلتا الخصلتين تشيران إلى دوره في الحياة السياسية العملية . والجرأة تؤدي إلى التهور ، وذلك يعني عدم حسبان النتائج ، وإذا حكمنا على المغربي بنتائج أعماله قلنا إنه كان متهورا لا جريئا وحسب ، إذ مني كل ما خططه بالاخفاق . فاما الدهاء فهو موصول لدى من يستعملون هذه الصفة بالحيلة القائمة على الذكاء ، وإخفاق النتائج

--> ( 1 ) رسالة الغفران : 55 - 58 . ( 2 ) بغية الطلب 5 : 19 . ( 3 ) بغية الطلب 5 : 19 . ( 4 ) المنتظم 8 : 32 - 33 وابن الأثير 9 : 232 وابن خلكان 2 : 174 والوافي 12 : 442 ولسان الميزان 2 : 301 ومرآة الزمان 12 : 47 . ( 5 ) الرسالة رقم : 16 ، الفقرة : 14 .